(الصورة من حديقة منزلنا)
الحنين هو أن تعلق في ثوب أمي رائحة الحبق، فأراني تلك الطفلة التي تتعلق بأذياله وتتوارى بين طيّاته وهي تجمّ طرابين الحبق من حياض منزل جدتي في المدينة الفيحاء..
والحنين هو صوت الناي الشجيّ الذي يتناهى إلى مسمعي من الوادي الذي استلقى عمري على كتفه ردحاً من الزمن وما برح.. لكأن البرد أيقظ ذلك الراعي من إغفاءة طويلة فتدثر بثوب الماضي وتقوقع في أذني..
والحنين هو ضوء القمر الخافت الذي يطل متهاديًا من بين أشجار السرو على وقع أنغام الناي كزائرٍ أنهكه الرقص وجاء ليستريح على شرفتنا حيث اعتدت أن أدعو أبي كي نحتفي بضيفنا بكوبَين من الشاي..
والحنين هو أرتشف من فنجان قهوة أمي على عجل وعلى مرأىً من شجرة القشطة ذاتها فتنغز لساني شوكة من ثمار الصبّار كانت قد أنهت أمي تنظفيها منذ عشر سنوات فأسمع قهقهات جارتنا التي توارت خلف المحيطات واستقرت في أوقيانوسيا منذ ذلك الحين..
والحنين هو أن أمرّر أصابعي فوق ماكينة جزّ الأعشاب الصامدة في مكانها مذ ركنها أبي العام الفائت مختتماً مواسم العمر كافة.. فأتذكر جذلي عندما سلمني قيادتها للمرة الأولى..
الحنين هو فعلٌ ماضٍ نرفعه كالحاضر.. والفاعل هي الحواسّ غير المستترة..